الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
324
نفحات القرآن
توضيح : الجوانب المتعددة للإعلام المضلل : إنّ هذه القضية في عصرنا الحاضر أوضح من أن تبحث أو تُناقش ، كما أنّها لم تخفَ على الناس في العهود الغابرة . إنّ الجبابرة الذين أرادوا فرض إرادتهم وحاكميتهم على الناس ، توسلوا بوسائل إعلامية مختلفة لغسل أدمغة الناس ، بدءً بالمكاتيب القديمة وانتهاءً بالمحاريب والمنابر ، وأخذاً برواة القصص والأساطير في المقاهي ، وانتهاءً بالكتب العلمية . والخلاصة : إنّهم استعانوا بجميع الوسائل المضلِّلة للوصول إلى مآربهم ، من تحريف التاريخ ، وأشعار الشعراء ، وثناء المداحين ، ومراكز التقديس والاحترام عند الناس ، واختلاق الأساطير والكرامات والقيم غير الواقعية ، وغيرها من الوسائل ، فانّهم يستطيعون بوسائل الاعلام هذه أن يصوروا الشيطان ملكاً أو إنساناً محترماً ، وذلك كله من أجل الوصول إلى مآربهم . وقد جاء في بعض التواريخ الإسلامية المعروفة أن طاعة أهل الشام لمعاوية بلغت درجة عجيبة ، وننقل هنا عبارة المسعودي في هذا المجال : « لقد بلغ من أمرهم في إطاعتهم له أنّه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الأربعاء » « 1 » . والقصة التالية قصة معروفة ( وَلَوْ لَمْ تكن مرويّةً في كتب التاريخ لكان قبولها صعباً ) ، حيث إنّ رجلًا من أهل الكوفة قدم دمشق راكباً جملًا في وقت كان أهل الشام يرجعون من صفين ، فرآه رجل دمشقي فقال له : إنّ هذه الناقة لي وأنت أخذتها مني في صفين ، فتنازعا فاشتكى الشامي عند معاوية ( وكأنّها اتخذت صبغة سياسية ) وجاء بخمسين شاهداً على أنّ هذه الناقة له ، فقضى له معاوية على أساس الشهود . فصرخ الكوفي قائلًا لمعاوية : إنّ هذا جمل وليس ناقة ( أنثى الجمل ) ، وطلب منه أن
--> ( 1 ) . مروج الذهب ، ج 2 ، ص 72 .